بقلم: يوسف علاري – مخرج سينمائي فلسطيني
فنزويلا ضحية قرصنة أمريكية باسم الديمقراطية.
ما جرى في فنزويلا لا يمثّل مجرد انتهاك للسيادة، بل نسفًا صريحًا لمنظومة القانون الدولي برمّتها.
فميثاق الأمم المتحدة، بوصفه المرجعية العليا لتنظيم العلاقات بين الدول، يحرّم بوضوح استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. ومع ذلك، تمضي الولايات المتحدة في ممارسة هذا الفعل بلا مواربة، وكأنها خارج نطاق القانون.
هنا تتجلى ازدواجية المعايير بأوضح صورها: ما يُسمح لواشنطن يُحرَّم على غيرها. فلو أقدمت أي دولة أخرى على اختطاف رئيس دولة حليفة للولايات المتحدة، لاعتُبر ذلك إرهابًا دوليًا، وذريعة لشن حرب شاملة. أما حين تفعلها أمريكا، تُجهَّز لغة إعلامية مسبقة: اعتقال – إنفاذ قانون – عملية دقيقة – حماية الديمقراطية.
هذه الازدواجية ليست زلّة خطابية، بل جزء عضوي من آلية الهيمنة نفسها، حيث يُحتكر تعريف الجريمة، ويُصادَر حق التوصيف، ويُفرَض السرد بالقوة.
فخطف رئيس دولة بالقوة العسكرية لا يندرج تحت أي استثناء قانوني، لا دفاعًا عن النفس، ولا ولاية قضائية عابرة للحدود، بل يضع الدولة المنفذة في موقع الفاعل الإجرامي، لا الضامن للأمن العالمي.
إن قبول المجتمع الدولي بهذه السابقة يعني عمليًا إعلان وفاة القانون الدولي، وتحويله إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد الضعفاء، وتُعلّق حين يتعلق الأمر بالأقوياء.
ما حصل في فنزويلا ليس اعتقالًا، ولا إجراءً قانونيًا، ولا حتى تدخلًا سياسيًا قابلًا للتأويل. إنه خطف رئيس دولة ذات سيادة في عملية عسكرية معلنة، تبعتها تصريحات صريحة عن إدارة البلاد والاستحواذ على نفطها. إنها جريمة مكتملة الأركان، وعدوان يعيد العالم إلى منطق الغزو والنهب، لا إلى عصر القانون.
أن تختطف دولةٌ رئيسَ دولةٍ أخرى من أرضه، وتنقله قسرًا إلى عاصمتها، ثم تبرر ذلك بخطاب أخلاقي زائف، فذلك لا يُسمّى ديمقراطية، بل قرصنة دولية بربطة عنق.
الرسالة إلى العالم: من يعارض… يُختطف
لم تكن العملية موجهة إلى فنزويلا وحدها، بل رسالة ردع إلى كل دولة تفكر في الخروج عن منظومة الهيمنة الأمريكية. الرسالة واضحة: من يملك موارد استراتيجية ويرفض الخضوع، لن يُحاصَر فقط، بل قد يُختطف رأسه السياسي علنًا، وتُعاد هندسة بلاده من الخارج.
كولومبيا في مرمى التهديد
في السياق ذاته، جاءت تهديدات دونالد ترامب المباشرة لكولومبيا، محذرًا إياها من عواقب دعمها لفنزويلا أو خروجها عن الإملاءات الأمريكية.
هذا التهديد ليس تفصيلًا جانبيًا، بل امتداد طبيعي لسياسة ترهيب إقليمي تقوم على استعراض القوة لا على الدبلوماسية. فبعد فنزويلا، وُضعت كولومبيا على خط النار، لتصبح الرسالة أكثر وضوحًا: الهيمنة تُفرض بالقوة وحدها.
بهذا المعنى، لم تعد السيادة الوطنية مرتبطة بإرادة الشعوب، بل بمدى رضا واشنطن. إنها مرحلة تُدار فيها العلاقات الدولية بمنطق القوة العارية، حيث يُفرض قانون العقاب الاستعراضي، وتُختصر السياسة في معادلة واحدة:
القانون لا يحمي أحدًا… القوة فقط تفعل.










إرسال تعليق