عندما تتنفس الموضة رئة الأرض

 

      بقلم: الصحافية سهام حليلة 

في مشهد مسرحي بديع توشحت به ساحة متحف اللوفر العريق أسدلت دار لويس فويتون الستار على فعاليات أسبوع الموضة الباريسي بعرض استثنائي لموسم خريف وشتاء عام 2026-2027.

حمل العرض توقيع المدير الإبداعي نيكولا جيسكيير الذي اختار هذه المرة أن يوقع بيانه الإبداعي بحبر الطبيعة البكر منطلقا من تأمل فلسفي عميق مفاده أن الطبيعة هي المصمم الأول والأعظم في تاريخ البشرية فمنذ فجر التاريخ لم تكن الملابس سوى استجابة ذكية لتقلبات المناخ وقسوة التضاريس ومن هذه الرؤية نسج المصمم خيوط حكاية بصرية آسرة تمتزج فيها جذور الماضي الفولكلورية بنبض المستقبل الرقمي في حوارية متقنة بين غرائز الإنسان البدائية وطموحاته التكنولوجية وقد ترجم جيسكيير فكرة الحماية من قسوة الطبيعة إلى مفردات تصميمية طاغية الحضور فبدت الصيحات الظلية وكأنها دروع عصرية تمنح مرتديها هيبة وسلطانا إذ سيطرت المعاطف المنتفخة بفخامة الفرو الصناعي فيما انسدلت التصاميم الفضفاضة متعددة الطبقات التي تستحضر في الذاكرة الجماعية أزياء الأقوام الجبلية ومجاهل الغابات الشمالية كما اخترقت الفساتين غير المألوفة بهندستها الجريئة صمت الصالة لتعلن تمردا على قوالب السهرة التقليدية ولم تقتصر محاكاة الطبيعة على الهيكل الخارجي بل امتدت لتشمل سطح القماش ذاته حيث ظهرت نقوش جلود الحيوانات البرية بروح تجريدية معاصرة

وتفتحت الزخارف النباتية على صدور الفساتين وكأنها لوحات انطباعية فيما أضفت مربعات التارتان الفولكلورية بعدا تراثيا حميميا معززا بذلك شعورا بالانتماء لأرض لم تطأها الأقدام بعد واشتغلت لوحة الألوان كلوحة زيتية لمشهد غروب شتوي حيث تراقصت درجات الأخضر الصنوبري القاتم مع بني التربة الخصيب وتخللها رمادي الصخور الصلدة لتشتعل التوليفة فجأة بومضات من الأحمر القاني ولمعان المعادن الخافتة التي تعكس وهج الشفق الأخير أما الأقمشة فقد تنوعت تنوعا ثريا بين الفرو النباتي الوارف والجلود المعالجة التي تحاكي ملمس الخشب العتيق وامتزجت خشونة الجينز برقة الشيفون وانسيابية الحرير في توليفة تحتفي بتعدد تضاريس العالم الطبيعي ولم تغب الإكسسوارات عن هذا المشهد الملحمي فقد تربعت الحقائب على عرش العرض وكأنها رفيقة درب المستكشف العصري فبدت حقائب الرحلات الضخمة بحجمها المهيب وكأنها تحمل أسرار المسافر الأبدي بينما عادت أيقونة الدار حقيبة النويه التي أبصرت النور لأول مرة 1932

في حلّة جديدة تنبض بالحياة أما المجوهرات فقد استلهمت روحها من أعمال الفنان مان راي مع تفاصيل معدنية ذكية تستحضر مسامير حقائب السفر التقليدية التي صنعت مجد الدار العريق وشكلت القبعات تاجا فوق هامات العارضات فتنوعت أشكالها وألوانها لتروي فصلا جديدا من فصول الأناقة الجريئة وهكذا جاءت مجموعة لويس فويتون لموسم خريف عام ألفين وستة وعشرين بمثابة ملحمة بصرية تروي قصة الإنسان في رحلته الأزلية مع الطبيعة والزمن حيث تذوب الحدود بين الفولكلور والتكنولوجيا وبين الحرفية اليدوية والابتكار الرقمي لتؤكد مرة أخرى أن أعظم مصادر الإلهام تكمن في قلب الأرض الأم.

شارك هذا المقال
اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *