شانيل بين ضوء النهار وغواية الليل

  بقلم: سهام حليلة 

في ذلك المحراب الذي قامت دعائمه على أسطورة امرأة قلبت موازين الأناقة العصرية رأساً على عقب لا يعبر مصمم عتبة دار شانيل إلا ويجد نفسه غارقاً في محاورة صامتة مع طيف غابرييل الشارد في الأرجاء إنه إرث لا يرقد متحفياً في بطون الأرشيف فحسب بل يتنفس في كل جديلة تويد وفي كل زر ذهبي يلمع وفي تلك الفكرة الثورية التي ولدت مع الدار منذ فجرها الأول حيث تتحول البساطة اليومية المعاشة إلى فخامة مطلقة لا تشوبها شائبة.

وفي مجموعته المرتقبة لخريف وشتاء ألفين وستة وعشرين يواصل ماتيو بلازي هذا الحوار الأزلي مع المؤسسة لكنه يختار له زاوية نظر مغايرة تدور رحاها حول ذلك الصراع الخفي المشحون بين عالمين متقابلين الوظيفي الحي المعاش والمصطنع المتخيل بين ما ترتديه المرأة لتعبر به صخب نهارها وما تتحول إليه هيئتها كتعبير بصري جريء يخطف الأبصار إنها دراسة معمقة في تلك المسافة الحرجة الفاصلة بين النهار والليل وفي فن بناء خزانة تتحرك فيها المرأة تدريجياً كما ينساب الماء بين ضفتين متناقضتين.

 

استهل العرض خطابه بلغة تكاد تكون زاهدة متقشفة حيث ظهرت بدلات شانيل الكلاسيكية وقد اكتست بدرجات الأسود العميق والعاجي النقي محبوكة بخيوط دقيقة تحاكي الصبر وأعطافها مزدانة بتلك الأزرار الذهبية التي صارت كالوشم الثابت على جبين الدار غير أن النسب بدت هنا وقد أصابها شيء من التمرد والتغيير فالسترات استقامت خطوطها أكثر وتحررت قصاتها من الصرامة المعهودة مما أسبغ على الجسد حركة فياضة بالعفوية وكأنها صممت خصيصاً لتنساب فوق قامة امرأة تشق طريقها عبر يوم طويل يمتد بين إيقاع العمل وضجيج المدينة العارم.

 

أما التحول الجوهري في هذه المجموعة فقد تمركز حول الخصر أو بتعبير أدق حول فكرة إخفائه وغيابه عمداً إذ قام بلازي بإسقاط خط الخصر إلى ما دون عظام الوركين ليصل أحياناً إلى منتصف الفخذين مستحضراً بذلك الخطوط الظلية المحبوبة في حقبة العشرينيات لكن بلمسة معاصرة حادة هذا الامتداد الطولي الباذخ للجذع منح الجسد أناقة متراخية بعض الشيء أناقة لا يتوقعها أحد تعيد إلى قاموس الموضة إحساسه الغض بالحياة والحركة العفوية غير المتكلفة.

 

ينبثق النهار في عالم بلازي من تلك المواد الخام التي نسجت أسطورة الدار عبر عقود طويلة إذ يظهر التويد في هيئات جديدة كلياً تارة على هيئة سترات بومبر العصرية وتارة أخرى على هيئة قمصان مستوحاة من لباس العمال البسيط ومعاطف تبدو أقرب إلى أردية الحياة اليومية منها إلى زي رسمي مقنن وهنا يتجلى بالتمام والكمال جوهر فلسفة غابرييل شانيل الأصيلة حين يتحول الرداء اليومي العادي عبر سحر إعادة السياق والتطريز المتقن إلى لغة فاخرة تلهج بها الأجساد.

 

وكلما تقدم العرض في مساره بدأ الإيقاع يتغير تدريجياً كما يتغير وجه السماء قبيل الغروب فالألوان تتكثف وتشبع والقوامات تلمع تحت الأضواء المسلطة والتصاميم تنزاح رويداً رويداً عن واقعية النهار الصارمة باتجاه مسرحية الليل الفاتنة فظهرت فساتين من الشبك المعدني المتلألئ تعكس الضوء كما ينعكس وميض النجوم المتناثرة فوق أديم القماش الأسود مع كل خطوة وئيدة بينما انسابت فساتين السليب الانسيابية بدرجات لونية جذابة تتغير أطيافها مع كل التفاتة وكل حركة هواء.

 

ولقد بدت الحرفية اليدوية العالية واضحة جلية في أدق التفاصيل وأخفاها حيث اختلط التويد الصوفي بجرسيه حريري فاخر ليمنح القماش الصلب سيولة مائية لم تكن في الحسبان فيما تحولت البدلات إلى أقرب ما يكون إلى أعمال هندسية دقيقة الصنع بفضل الخيوط المطرزة المذهبة والترتر البراق المنسوج داخل نسيج القماش نفسه لا فوقه وبدت كل قطعة في المجموعة وكأنها تمرين تقني عسير يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن ورش شانيل ما تزال حتى اليوم واحدة من أعظم مختبرات الحرفة والصنعة في فضاء الموضة العالمي الواسع.

 

الإكسسوارات أيضاً لعبت دور البطولة كعادتها في هذه الدار العريقة لكنها هنا لم تكن مجرد مكملات تزيينية بل ظهرت كعناصر سردية مستقلة لها حكايتها الخاصة داخل بنية العرض فحقيبة الفلاب الأيقونية عادت إلى الواجهة بنسخ مزدوجة توحي بفكرة التكرار والوفرة فيما برزت نسخ ماكسي ضخمة من الحقيبة الكلاسيكية إلى جوار حقائب بالغة الصغر أقرب إلى الجواهر المرصعة كما حملت بعض حقائب المينوديير أشكالاً غير متوقعة تثير الدهشة من بيض ذهبي متدل على سلاسل رفيعة إلى حقائب اتخذت هيئة ثمار الرمان مما أضفى لمسة من الفانتازيا المحببة على رصانة الإطلالات النهارية المحسوبة أما الأحذية فقد حملت بعداً حسياً لا يخفى صنادل مفتوحة تبوح بأصابع القدم وأحذية عالية الرقبة تلتف حول الساق كأنها جوارب جلدية ثانية تلامس البشرة.

 

ومع اقتراب العرض من خاتمته ذابت الحدود الفاصلة بين الملابس والجسد ذوباناً كاملاً إذ بدت الفساتين المصنوعة من الشبك المعدني المتلألئ وكأنها جلود ثانية تشع تحت أضواء القصر الكبير الساطعة وكان الانتقال المدروس من رصانة البدلات المحبوكة إلى صخب الألوان الميتاليكية المتوهجة رحلة بصرية آسرة تبرز قدرة بلازي الفائقة على دفع شانيل نحو مساحة أكثر معاصرة وجرأة دون أن تفقد العلامة جذورها الضاربة في عمق التاريخ.

 

ما يطرحه بلازي هنا يتجاوز بكثير فكرة إعادة قراءة سطحية لرموز شانيل إنه يقترح لغة جديدة كلياً للبدلة لغة تتحرك بخفة ورشاقة بين ثنائية الوظيفة والاستعراض بين الانضباط الحرفي الصارم والبريق الأخاذ الآسر وفي هذا التوتر الخلاق تحديداً تتجلى قوة المجموعة وفرادتها خزانة ملابس قادرة على عبور اليوم بأكمله من ساعاته الأولى الرمادية إلى لحظته الأخيرة الغارقة في ضوء القمر.

شارك هذا المقال
اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *