بقلم: عبدالرحمن مهدي
لم تعد المشكلة في أن الحقيقة غائبة، بل في أننا أصبحنا نراها بوضوح، ثم نختار بإرادتنا أن نصدق الكذبة الأكثر أناقة.
ثمة خلل عميق أصاب موازين التقدير في مجتمعاتنا؛ فلم يعد السؤال دائمًا عما يملكه الإنسان من علم أو كفاءة أو مبادئ، بل عما يستطيع أن يصنعه حول نفسه من هالة. أصبح البعض أكثر انشغالًا بإقناع الآخرين بقيمته من انشغاله بصناعة تلك القيمة، حتى باتت الصورة في كثير من الأحيان تسبق الحقيقة، ويعلو صوت الادعاء على صمت الإنجاز.
نعيش زمنًا قد يصنع فيه الظهور المتكرر مكانة لا تستند إلى استحقاق، وتمنح فيه الألقاب أصحابها هيبة لا تعكس بالضرورة حجم ما قدموه. وبينما ينشغل البعض ببناء أنفسهم، ينشغل آخرون ببناء الرواية التي يريدون للعالم أن يصدقها عنهم. وهنا تكمن المفارقة؛ فلم يعد الزيف مضطرًا إلى الاختباء، بل أصبح قادرًا على الظهور في وضح النهار، مرتديًا ثياب النجاح والاحترام.
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات لنقل الواقع، بل أصبحت أيضًا أدوات لصناعة الانطباعات وتوجيه الأحكام. صورة محسوبة، ولقب رنان، وظهور متكرر، وعلاقات يجري استعراضها بعناية؛ كلها عناصر قد تكفي لصناعة شخصية عامة تبدو أكثر تأثيرًا مما تعكسه إنجازاتها الحقيقية.
ومع تكرار المشهد، يبدأ الادعاء في اكتساب مظهر الحقيقة، لا لأن الأدلة أصبحت أقوى، بل لأن الألفة حلت محل التحقق. وهنا لا تكمن الخطورة في التكنولوجيا نفسها، وإنما في الطريقة التي نستهلك بها ما تقدمه؛ فقد أصبحنا أحيانًا نحكم على الأشخاص من خلال ما ينشرونه عن أنفسهم، لا من خلال ما يتركونه من أثر حقيقي في حياة الآخرين.
والأكثر إثارة للقلق أن هذا المشهد لا يقتصر على الفضاء الرقمي؛ بل يمتد إلى بعض المؤسسات والعلاقات المهنية والاجتماعية، حين تصبح القدرة على الوصول إلى أصحاب النفوذ أهم من القدرة على الإنجاز، وتتحول المجاملة إلى معيار للتقييم، ويُختزل الاستحقاق في شبكة من العلاقات والمصالح. وحين تصبح العلاقات بديلًا عن الكفاءة، لا يخسر الأكفاء وحدهم، بل يخسر المجتمع فرصته في التقدم.
ليس كل صمت حكمة، وليس كل تجنب للمواجهة اتزانًا. أحيانًا نصمت لأننا ندرك أن قول الحقيقة قد يكلفنا علاقة أو فرصة أو مكانة. نرى التناقض، ونعرف من يستحق ومن لا يستحق، ثم نختار الطريق الأسهل؛ أن نساير المشهد، ونمنح الآخرين ما ينتظرونه من تصفيق، حتى وإن كنا لا نؤمن بما نصفق له.
وبمرور الوقت، يتحول هذا السلوك من استثناء إلى ثقافة، ويصبح الصادق شخصًا مزعجًا لأنه يطرح الأسئلة التي يفضل الآخرون تجاهلها. فالمجتمعات لا تُصاب بالخلل فقط عندما يتصدرها غير الأكفاء، بل عندما تتوقف عن مساءلتهم، وحين يصبح النقد عداءً، والمراجعة إهانة، والمطالبة بالاستحقاق خروجًا على قواعد اللعبة.
فالمشكلة ليست دائمًا فيمن يزيف الحقيقة، بل فيمن يعرف أنها مزيفة ثم يشارك في تسويقها.
ومن أكثر الأخطاء التي نرتكبها أن نخلط بين الشهرة والتأثير، وبين النفوذ والاحترام، وبين ارتفاع الصوت وقوة الحجة. ليس كل مشهور صاحب رسالة، ولا كل صاحب منصب قائدًا، ولا كل من يجيد الحديث عن الأخلاق يمارسها حين تختبره المواقف.
قد يملك الإنسان آلاف المتابعين، لكنه يعجز عن ترك أثر إيجابي واحد، وقد يمتلك آخر قدرًا هائلًا من المعرفة والخبرة دون أن يعرف اسمه إلا عدد محدود من الناس. وهذا لا يعني أن الشهرة مذمومة، أو أن النجاح الظاهر موضع شك؛ فهناك من جمعوا بين الحضور والاستحقاق، واستطاعوا توظيف مكانتهم في خدمة الآخرين. لكن الخطر يبدأ حين نعتبر الانتشار شهادة كفاءة، والتصفيق دليل نزاهة، والقدرة على التأثير في الجمهور برهانًا على صحة ما يُقال.
فالشهرة تخبرنا بعدد من يعرفون اسمك، لكنها لا تخبرنا لماذا ينبغي أن يحترموك.
وربما يكون خداع الإنسان لنفسه أكثر تعقيدًا من خداعه للآخرين؛ أن يعتقد أنه ناجح لمجرد أن صورته منتشرة، وأن يفسر الخوف على أنه احترام، والمصلحة على أنها محبة، والمجاملة على أنها اعتراف حقيقي بقيمته. وحين يعتاد سماع ما يحب، يصبح النقد تهديدًا لصورته عن نفسه، لا فرصة لمراجعتها.
وهكذا تتحول المكانة التي صنعها إلى قفص، ويصبح أسيرًا لشخصية يخشى أن يكتشف الآخرون أنها لا تشبه حقيقته. ولعل أكثر أشكال الفقر الإنساني قسوة أن يمتلك المرء كل مظاهر التقدير، لكنه لا يجد حوله شخصًا واحدًا يملك شجاعة مصارحته.
ومن المؤلم أن يجد الإنسان الصادق نفسه مطالبًا بالدفاع عن نزاهته، بينما يتحرك صاحب الادعاء بثقة من اعتاد ألا يُسأل. لكن الحقيقة ليست دائمًا منتصرة، والعدالة ليست نتيجة تلقائية لمرور الزمن؛ فبعض الأكاذيب تعيش طويلًا، وبعض الأقنعة لا تسقط، وبعض المستحقين يرحلون قبل أن ينالوا ما يستحقونه من تقدير.
ولذلك فإن التعويل على أن الأيام ستكشف كل شيء ليس كافيًا. الحقيقة تحتاج إلى من يتحقق منها، والعدالة تحتاج إلى مؤسسات تحميها، والاستحقاق يحتاج إلى معايير لا تتبدل بتبدل الأسماء والمصالح.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع يشكك في كل ناجح، ولا إلى ثقافة تحاكم الناس بناءً على الظنون؛ بل إلى وعي يرفض منح الثقة دون أسباب، ويرفض كذلك سلبها دون دليل. نحتاج إلى إعادة الاعتبار للعمل قبل الصورة، وللكفاءة قبل اللقب، وللموقف قبل الخطاب.
لا أعتقد أن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا هو وجود المخادعين؛ فقد عرفهم التاريخ في كل عصر. الخطر الحقيقي أن تصبح المبالغة وسيلة مألوفة للترقي، وأن يتحول الادعاء إلى مهارة اجتماعية مطلوبة، وأن يشعر صاحب المبدأ بأنه مضطر للتنازل عن بعض قناعاته حتى يجد مكانًا بين الآخرين.
عندها لا تكون الأزمة أزمة أشخاص، بل أزمة معايير.
فالمجتمع الذي يرفع غير المستحق ويهمش الكفء، ثم يتساءل عن أسباب تراجعه، يحتاج أولًا إلى مراجعة الطريقة التي يوزع بها احترامه وثقته وفرصه. والإنسان الذي يطالب بالحقيقة حين تمس مصالح الآخرين، ثم يهرب منها حين تقترب من مصالحه، لا يدافع عن مبدأ، بل يمارس انتقائية أخلاقية.
فالمبادئ التي تتغير بتغير أصحاب المصالح ليست مبادئ، وإنما اتفاقات مؤقتة.
وفي النهاية، لا يمكننا منع الجميع من ارتداء الأقنعة، لكن يمكننا أن نتوقف عن مكافأة من يرتديها لمجرد أنه أتقن الدور. يمكننا أن نسأل قبل أن نصدق، وأن نتحقق قبل أن نصفق، وأن نحترم الإنجاز دون أن ننخدع بالاستعراض.
فالحقيقة لا تستمد قيمتها من عدد المدافعين عنها، كما أن الكذبة لا تصبح صادقة لمجرد أن الملايين يرددونها.
وليس أخطر على الحقيقة من كاذب يجيد الحديث، بل مجتمع يعرف أنه يكذب.. ثم يمنحه الميكروفون.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نواجه به أنفسنا:
هل أصبح الزيف أكثر قوة من الحقيقة فعلًا.. أم أننا نحن من منحناه كل هذه القوة؟
عبدالرحمن مهدي