الأحرار ليسوا على دين ملوكهم

بقلم: يوسف علاري مخرج سينمائي فلسطيني

قيل قديمًا: “الناس على دين ملوكهم”، وهي عبارة تصف قدرة الحاكم على التأثير في مجتمعه، لكن الحقيقة الأعمق أن الأحرار ليسوا على دين ملوكهم، لأن الأحرار لا يملكون إلا ضمائرهم، ولا يخضعون إلا للحقيقة التي يؤمنون بها. الحر لا يغيّر مبادئه بتغيّر الحاكم، ولا يبدّل مواقفه تبعًا لاتجاه الريح، ولا يبيع صوته مقابل منفعة أو مكسب أو منصب.

ومن أخطر الآفات التي تصيب المجتمعات آفة النفاق. فالمنافق ليس مجرد شخص يجامل الآخرين، بل هو ذلك الذي يجعل لسانه أداة للتزلف والتقديس والتبرير، فيمدح القوي لأنه قوي، ويصفق للثري لأنه ثري، ويمنح الطاغية ما لا يستحق من العظمة والحكمة والبطولة.

تراه يبدّل كلماته كلما تبدلت موازين القوة. فإن ارتفع نجم مسؤول بالغ في الثناء عليه، وإن سقط تنكّر له، وكأنه لم يعرفه يومًا. لا يدافع عن حق، ولا ينتصر لمبدأ، بل يبحث دائمًا عن موقعه بين أقدام الأقوياء.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يحتل المنافقون مكانة شديدة السوء في الوعي الديني والأخلاقي، لأن ضررهم لا يقع على أنفسهم فقط، بل يمتد إلى المجتمع كله. فالطاغية وحده لا يستطيع أن يصنع الاستبداد، لكنه يحتاج إلى جيش من المصفقين والمبررين والمتزلفين الذين يزيّنون أخطاءه ويخدرون وعي الناس، ويحوّلون الظلم إلى فضيلة والهزيمة إلى انتصار.

إن المستبد يخاف من صاحب الرأي الحر أكثر مما يخاف من خصومه، لأن كلمة صادقة قد تهدم جدارًا من الأكاذيب بُني خلال سنوات، أما المنافق فهو الحارس الأمين لذلك الجدار، يرمّمه كلما تصدع، ويعيد تلميعه كلما انكشفت شقوقه.

المنافقون تراهم في كل زمان ومكان. بعضهم بلحية بيضاء توحي بالحكمة، وبعضهم بلحية سوداء توحي بالشباب، وبعضهم يرتدي ربطة عنق أنيقة، وبعضهم يختبئ خلف لقب أكاديمي أو ديني أو إعلامي. تختلف الأشكال لكن الجوهر واحد: دناءة في النفس وعبادة للقوة.
وأخطر ما في المنافقين أنهم لا يعملون وحدهم أبدًا. فهم يتحلقون في دوائر، يصفق بعضهم لبعض، ويصدق بعضهم أكاذيب بعض، لأن الاعتراف بالحقيقة يعني انهيار العالم الزائف الذي بنوه لأنفسهم.

تجدهم في الاجتماعات يتناوبون أدوار التطبيل، وفي الإعلام يرددون العبارات نفسها، وعلى المنصات يتبادلون التهاني، إنهم عائلاتٌ من النفاق، يدافعون عن بعضهم لا عن حب، بل لأن سقوط واحد منهم يفضح الباقين. وهذه هي نقطة ضعفهم، النفاق لا يعيش فردًا، بينما الحرية تكفيها روح واحدة.

وقد يكون بعض المنافقين أسرى لعقد نفسية أو لشعور بالنقص أو للخوف أو للطمع، حتى إن بعضهم قد لا يدرك حقيقة ما يفعل، لكنه سواء أدرك أم لم يدرك، يبقى جزءًا من المشكلة لا من الحل. فالأمم لا تنهض بالمصفقين، ولا تتقدم بالمادحين، ولا تُبنى بالذين يبيعون ضمائرهم لمن يملك السلطة أو المال.

الأحرار خارج هذا الركب الصدئ لأنهم ببساطة أحرار، لا يسيرون خلف الأشخاص، بل خلف المبادئ. لا يعبدون الحكام ولا الأثرياء ولا أصحاب النفوذ. يقفون مع الحق حين يكون قويًا، ويقفون معه حين يصبح وحيدًا. ولذلك يبقى الحر حرًا مهما تبدلت الوجوه، بينما يبقى المنافق عبدًا لمن يملك القوة، يتغير سيده وتبقى عبوديته شاهدة على دناءته.

إن الفرق بين الحر والمنافق ليس في الموقف فقط، بل في البنية الداخلية للإنسان نفسه. فالحر يختار أن يدفع ثمن موقفه، حتى لو خسر كل شيء، أما المنافق فيختار أن يحتفظ بكل شيء، حتى لو خسر نفسه.

شارك هذا المقال
اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *