قارئ الوجوه

بقلم: يوسف علاري

منذ صغري، إذا وقع حادث ما، كنت على خلاف المألوف؛ لا أنظر إلى الحادث بقدر ما أنظر إلى وجوه الناس لأقرأ تعابيرهم وردود أفعالهم على المأساة التي يشاهدونها وظلت هذه العادة ملازمة لي حتى الآن.
وذات يوم تعرضت أنا نفسي لحادث في شارع يكاد يخلو من المارة، في أقل من دقيقة تجمهر الناس حولي وسيارتي لا أدري من أين انسلوا ورغم ما أنا فيه من سوء حال أخذت في قراءة الوجوه، البعض أبدى حزنًا شديدًا رغم أن الحادث كان بسيطًا، والبعض الآخر كان يضحك ويتمتم، رغم أنه لم يكن هناك ما يدعو إلى الضحك. ورجل آخر جاء يشاهد الحادث وهو يأكل سندويشة وأحدهم أخذ يتفحص الأضرار التي لحقت بالسيارة وكأنه خبير، كان كلٌ منهم يحمل انعكاساً مختلفاً للمأساة ذاتها.

ومضت السنوات، وعملت في الإخراج والكتابة ولم تغادرني عادة قراءة الوجوه في الأحزان والأفراح، بل بالعكس تحولت من فضول طفولي إلى صفة أصيلة في شخصيتي وأصبحت مراقبة تصرفات الناس في الحياة كأنها جزء من عملي، لأن الإنسان بالنسبة لي هو أعظم قصة يمكن أن تُكتب.

خلال بعض الرحلات واللقاءات، كنت أتعمد إجراء تجارب اجتماعية بسيطة، هدفها فهم أعمق لتصرفات الناس. كنت أراقب ردود أفعال البعض تجاه طريقة تعاملي معهم، ليس بهدف الحكم على أحد، وإنما لفهم بعض التفاصيل في طبيعة الإنسان، وهي التفاصيل التي تصنع الشخصيات والقصص في الأدب والسينما.

أحيانًا كنت أبدي اهتمامًا واضحًا وإعجابًا بشخص ما، رجلًا كان أو امرأة، وأحاول أن أوصل له رغبتي في التواصل والتعرف أكثر. لكن الغريب أن النتيجة في كثير من الحالات كانت عكس ما كنت أتوقع؛ فبعد فترة بسيطة يقل التواصل ويختفي الاهتمام، وتنتهي العلاقة قبل أن تبدأ.

وفي مواقف أخرى، كنت أتعامل مع الأشخاص بشكل طبيعي جدًا، دون محاولة لفت الانتباه أو إظهار إعجاب خاص، فكنت أجد أن بعضهم، وخاصة النساء، يحرصن على التواصل معي بشكل أكبر. ولعل ما لفت انتباهي أن كثيرًا من النساء لا يثقن بمن يحاول التقرب منهن بشكل مبالغ فيه في بداية التعارف، في حين يمنحهن التعامل الهادئ شعورًا أكبر بالأمان.

هذه الملاحظة جعلتني أفكر كثيرًا في طبيعة الإنسان. ربما عندما نُظهر اهتمامنا بالآخرين بشكل كبير، فإننا نرسل لهم دون قصد رسالة بأنهم أصبحوا الطرف الأكثر أهمية في العلاقة، وقد يؤدي ذلك أحيانًا إلى تراجع شعورهم بالفضول أو الرغبة في الاقتراب. أما عندما يكون الاهتمام موجودًا، لكننا نحافظ على هدوئنا ونترك مساحة طبيعية للتعارف، فإن العلاقة تأخذ شكلًا أكثر توازنًا.

فالإنسان بطبيعته ينجذب غالبًا إلى من يملك عالمه الخاص، ومن لديه أهداف وحياة يعيشها، لا إلى من يجعل اهتمامه كله منصبًا على شخص آخر.

بالطبع هذه ليست قاعدة تنطبق على الجميع، فكل إنسان له شخصيته وظروفه، والعلاقات الإنسانية أعقد من تجربة واحدة. لكنها ملاحظة جعلتني أؤمن بأن التوازن في التعامل مع الآخرين قد يكون أكثر تأثيرًا من محاولة كسب اهتمامهم بأي طريقة.

في الحادث، كنت أقرأ الوجوه وكانوا هم يقرأون المشهد، وفي العلاقات، كنت أقرأ الوجوه وكانوا هم يقرؤونني، وفي كلتا الحالتين، كنت أبحث عن الحقيقة التي تختبئ خلف الكلمات.

لا تكمن الجاذبية في أن نحاول بشدة أن نجعل الآخرين يختاروننا، بل في أن نكون أشخاصًا نعيش حياتنا ونحافظ على قيمتنا، فيصبح وجود الآخرين إضافة جميلة وليس حاجة أساسية.
وبعد سنوات من مراقبة الوجوه، خرجت باستنتاج بسيط: عندما نتوقف عن البحث عن الاهتمام… يبدأ الاهتمام بالبحث عنا.

شارك هذا المقال
اترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *