بقلم: عبدالرحمن مهدي
في مرحلة ما من العمر، نكتشف أن أكثر ما غيّرنا لم يكن ما تعلمناه في المدارس، ولا ما قرأناه في الكتب، بل تلك المواقف التي مررنا بها وحدنا، والقرارات التي دفعنا ثمنها، والأشخاص الذين علّمونا بغيابهم أكثر مما علّمونا بحضورهم.
فالحياة لا تقدّم دروسها في قاعات الدراسة، ولا تمنحنا دائمًا فرصة الاستعداد لاختباراتها. أحيانًا تضعنا أمام واقع لم نخطط له، أو اختيارات لم نكن نرغب في مواجهتها، ثم تترك لنا مهمة الفهم والتجاوز. ومع مرور السنوات، ندرك أن التجارب وحدها لا تصنع الحكمة؛ فهناك من يمر بالكثير ولا يتعلم إلا القليل، وهناك من تكفيه تجربة واحدة ليعيد النظر في كل ما كان يؤمن به.
وربما تكمن الحقيقة التي لا ننتبه إليها مبكرًا في أن التجارب الصعبة لا تجعلنا بالضرورة أشخاصًا أفضل. فبعضها قد يترك فينا خوفًا أو شكًا أو قسوة لم نكن نعرفها من قبل. فالألم ليس فضيلة في ذاته، والخسارة ليست دائمًا بداية جميلة، كما تحاول بعض العبارات المطمئنة أن تصوّرها. هناك خسائر تظل خسائر، مهما حاولنا البحث لها عن معنى، وهناك مواقف لا نخرج منها أقوى، بل نحتاج بعدها إلى وقت طويل كي نستعيد توازننا.
وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين أن نمر بالتجربة، وأن نسمح لها بإعادة تشكيلنا بالكامل. فليس مطلوبًا أن نحوّل كل جرح إلى قصة نجاح، لكن من المهم ألّا نجعل جراحنا وحدها هي التي تقرر كيف سنعيش ما تبقى من أعمارنا.
ومع الوقت، تتغير نظرتنا إلى أشياء كثيرة. نفقد اهتمامنا بمعارك كنا نظن أن الفوز بها ضرورة، ونعيد ترتيب علاقات اعتقدنا يومًا أنها لا تقبل المراجعة، ونتوقف عن محاولة إثبات أنفسنا أمام كل من يشكك في قدراتنا.
لكن النضج لا يعني أن نتوقف عن الحلم، أو أن نبرر تراجعنا بالحكمة. أحيانًا نختبئ خلف فكرة راحة البال لأننا نخشى المواجهة، ونسمّي الخوف حذرًا، والتردد تفكيرًا، والاستسلام قناعة. ولهذا، فإن الصدق مع النفس يظل من أصعب الاختبارات؛ لأنه يضعنا أمام دوافعنا الحقيقية دون تجميل.
نعيش في عالم يكافئ المظاهر ويحتفي بالنتائج. نرى نجاحات الآخرين في صور مكتملة، بينما نعيش نحن تفاصيل محاولاتنا بما فيها من ارتباك وتأخير وإخفاق. ومن هنا تبدأ مقارنات غير عادلة، نقيس فيها واقعنا بكل تعقيداته بمشاهد منتقاة من حياة الآخرين.
والسؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس فقط: هل نجحنا؟ بل: هل ما نسعى إليه يستحق فعلًا أن نمنحه هذه السنوات من أعمارنا؟
فقد يصل الإنسان إلى مكانة كان يحلم بها، ثم يكتشف أنه أمضى الطريق كله يسعى إلى تحقيق توقعات لم تكن تخصه. وقد يحقق إنجازًا كبيرًا دون أن يشعر بالرضا، لا لأن الإنجاز بلا قيمة، بل لأنه لم يمنح نفسه يومًا فرصة لتحديد ما يعنيه النجاح بالنسبة إليه.
وفي العلاقات الإنسانية، تبدو الدروس أكثر تعقيدًا. فالمواقف تكشف جوانب لا تستطيع الكلمات إظهارها، لكننا نخطئ حين نحوّل تجربة واحدة إلى قاعدة عامة. فمن خذلنا لا يمثل الجميع، ومن اختلف معنا ليس بالضرورة سيئ النية، ومن غادر حياتنا ربما كان يبحث عن طريقه كما نبحث نحن عن طريقنا.
والأصعب من فهم الآخرين أن نراجع أدوارنا نحن في الحكايات التي انتهت. فمن السهل أن نتذكر ما تعرضنا له من ظلم، لكن من الأصعب أن نعترف بما ارتكبناه من أخطاء، أو بما تجاهلناه من إشارات، أو باللحظات التي اخترنا فيها الصمت بينما كان علينا أن نتحدث.
لا أعتقد أن الحكمة تعني امتلاك الإجابات الصحيحة دائمًا. ربما تعني أن نتوقف عن التعامل مع آرائنا باعتبارها حقائق نهائية، وأن نمتلك المرونة الكافية لتغيير قناعاتنا حين نكتشف ما يستدعي ذلك.
ومثلما نراجع علاقاتنا وقراراتنا، نحتاج إلى مراجعة علاقتنا بالوقت. فنحن نؤجل كثيرًا من تفاصيل الحياة انتظارًا لظروف أفضل؛ نؤجل الراحة حتى ينتهي العمل، والفرح حتى يتحقق النجاح، والاهتمام بمن نحب حتى نجد متسعًا من الوقت. ثم نفاجأ بأن الحياة لم تتوقف يومًا لتنتظر اكتمال خططنا.
ومع ذلك، لا أؤمن بالدعوات السهلة إلى ترك كل شيء والعيش للحظة. فالإنسان مسؤول عن مستقبله، وعن التزاماته، وعن الأشخاص الذين يعتمدون عليه. لكن بين أن نعيش بلا تخطيط، وأن نحوّل حياتنا كلها إلى مشروع مؤجل، توجد مساحة واسعة تستحق أن نبحث عنها.
وربما تكون إحدى علامات الوعي أن نتعلم كيف نحافظ على طموحنا دون أن نسمح له بابتلاع كل شيء آخر، وكيف نمنح العمل حقه دون أن يصبح المعيار الوحيد لقيمتنا، وكيف نقدّر ما نملكه اليوم دون أن نتخلى عما نطمح إليه غدًا.
ومع تقدّم السنوات، قد نكتشف أن بعض الأسئلة التي شغلتنا طويلًا لم تكن هي الأهم. كم جمعنا؟ وكم سبقنا غيرنا؟ وكم شخصًا اعترف بنجاحنا؟ كلها أسئلة قد تحمل قيمة في سياقها، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على حياة كاملة.
هناك أسئلة أكثر صعوبة: هل كنا منصفين حين امتلكنا القوة؟ هل احتفظنا بإنسانيتنا حين تعرضنا للأذى؟ هل عرفنا متى نتمسك ومتى نترك؟ وهل كانت قراراتنا تعبّر عنا، أم عن خوفنا من أحكام الآخرين؟
لا أملك إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، ولا أظن أن أحدًا يمتلكها. فالحياة أكثر تعقيدًا من أن تختصرها نصيحة، والتجارب الإنسانية أكثر اختلافًا من أن تحكمها قاعدة واحدة.
لكنني أؤمن بأن الإنسان لا يحتاج إلى أن يخرج من كل تجربة منتصرًا حتى يكون قد عاشها بكرامة، ولا إلى أن يكون محقًا طوال الوقت حتى يستحق الاحترام. يكفي أن يمتلك شجاعة المراجعة، وأن يتحمل مسؤولية اختياراته، وأن يترك لنفسه فرصة أن يتغير دون أن يتنكر لما كان عليه.
وفي النهاية، ربما لن يكون السؤال الأهم: إلى أين وصلنا؟
بل: ماذا فعلت بنا الرحلة، ومن أصبحنا خلالها؟
فما لم تعلّمنا إياه الكتب، قد تعلّمنا إياه الحياة. لكن السنوات وحدها لا تمنح الحكمة، والتجارب لا تحمل دائمًا دروسًا جاهزة؛ نحن من نحاول فهمها، ونحن من نقرر ماذا سنفعل بما فهمناه.
ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه ألّا نسمح لما مررنا به أن يسلبنا الإنسان الذي كنا نريد أن نصبحه.